أحمد بن سهل البلخي

424

مصالح الأبدان والأنفس

ولا يجوز أن يكون شيء في المزج محدود المقدار ؛ بسبب الاختلاف / الموجود في جواهر الأعناب ، وكيفيّة الطبخ ، وما يوجد عليه قوام الشراب ، ومزاج بدن الشارب ، وفصول السنة ، فإنّ كلّا من هذه المعاني يمنع أن يوجد للمزاج مقدار محدود . وإنّما يجب أن يأخذ الشارب عبرة ذلك من طبيعته ومزاج بدنه ، وما يجب حال الشراب عليه من الرقّة والغلظ والقوّة والضعف ، وما يكون منه حديثا أو عتيقا . غير أنّ الذي يتهيّأ أن يقال فيه بالقول المجمل هو أنّ الشراب يوجد لثلاثة أغراض كما ذكرنا ، هي : العلاج ، وهضم الغذاء ، وطلب الأنس . فإذا كان أخذه للعلاج نحو ما يتعالج به صاحب البرودة والرطوبة ، فإنّه يجب أن يأخذه صرفا أو ما يقارب الصّرف ، وإذا كان أخذه لهضم الطعام وقطع العطش ، فينبغي أن يكون المزاج فوق المرتبة الأولى ، وبحال متوسّطة تصلح لهضم الطعام وقطع العطش معا ، وإذا كان أخذه لطلب الأنس ، فينبغي أن يكثر مزاجه ؛ لأنّ آخذه / يستكثر الاستكثار منه ، فإذا بقي وفيه شيء من اللّذع وقويت حرارته أسرع إلى شاربه السّكر ، وخيف عليه أذى الخمار ، والعلل المتولّدة في الكبد والأحشاء ؛ بسبب امتلاء الأوعية منه على لذعه وحرارته . ثمّ ممّا يجب في تدبير المزاج أن تكون الوظيفة التي يقدّرها الإنسان لنفسه من الشراب تتقدّم في مزجه قبل تناوله إيّاه بيوم أو ليلة أو بساعات ، ليجود امتزاجه بالماء الذي يحمل عليه ، وذلك أنّ كلّ ما يركّب من الأغذية والأدوية ، فإنّه لا يجود اختلاطه وامتزاجه إلا بمدّة من الزمان يتّحد فيها بعض أجزائه ببعض ، ولهذا من السبب ما « 1 » يؤمر بألّا يتناول الأدوية الشريفة في وقت خلطها دون أن تأتي مدة من الزمان عليها ليصير أخلاطها فيها كالشئ الواحد .

--> ( 1 ) ما هنا مصدرية غير زمانية ، والتقدير : من السبب الأمر بألا يتناول .